صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

300

تفسير القرآن الكريم

والثالث : إن عمارة العالم الأرضي ووجود أفراد الإنسان وسائر الحيوانات وغيرها من الكائنات إنما يكون بوجود العالم الرباني ، وقد يقام عليه البرهان في الحكمة المتعالية ، فيلزم منه الاعتراف بوجود إمام حافظ للدين في كل زمان . الرابع : إن هذا القائم بحجة اللّه لا يجب أن يكون ظاهرا مشهورا كمولانا أمير المؤمنين عليه السّلام في أيام تمكّنه من الخلافة الظاهرة ، بل ربما يكون خاملا مستورا - كهو عليه السّلام قبل ذلك الوقت ، وكأولاده الإحدى عشر بعده ، سيما القائم المنتظر إمامنا الهادي - سلام اللّه عليه وآله وآبائه الطاهرين - المشار إليهم في قوله تعالى : ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ [ 3 / 34 ] . وفيما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يزال أمتي بخير ما ولّيهم إثنا عشر خليفة كلهم من قريش . « 1 » الخامس : إن من خواصّ أولياء اللّه وحججه أن يكون علومهم ومعارفهم حاصلة بحدس تامّ وإلهام من اللّه من غير تعمّل وتكسّب ، كما دلّ عليه قوله عليه السّلام : « هجم بهم العلم على حقائق الأمور ، وباشروا روح اليقين » أي أطلعهم اللّه على حقائق الموجودات ، وقذف في قلوبهم نورا من لدنه ، يريهم الأشياء كما هي ، وهذه هي الحكمة الحقيقية التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا . 194 السادس : إنه قد علم شرف الحكمة الإلهية ومنزلة حامليها ، حيث اشتاقت نفسه الشريفة عليه السّلام إلى لقائهم مع كونه قدوة الربانيين ومقدّم السائرين إلى اللّه بقوة الحكمة والعرفان ، وبه ينتهى سلسلة السالكين وأصحاب الطريقة والصوفين ومن يحذو حذوهم في التألّه والمعرفة - لا في مجرد الرياضة البدنية وجلوس الصوامع ولبس الخرقة ، إذ لا كمال فيه يعتدّ به - . وذلك لأن الجنسية علّة الضمّ ، والجنس يحنّ إلى جنسه ، ولأن فنون التقرب إلى اللّه تعالى متعددة ، وأذواق الكاملين مختلفة ، مع اشتراكهم في غلبة جانب

--> ( 1 ) راجع البحار : 36 / 326 - 373 .